الصدقة طريقكِ إلى الجنة
الكاتب: صادق محمد مهيوب الهادي

الصدقة طريقكِ إلى الجنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد روى الإمامان الجليلان البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار...»(1) متفق عليه.

ولنا مع هذا الحديث العظيم وقفات مهمة:

الوقفة الأولى:

- أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الصحيح أن أكثر أهل النار من ‎النساء: وعلى ‎المسلم التسليم لما جاء عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير ‏تردد ولا شك ولا اعتراض، قال تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ? [الأحزاب:36] وقال تعالى في شأن طاعة الله ‏ورسوله -صلى الله عليه‎ ‎وسلم-: ?فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا? [النساء:65].

والسبب في كونهن أكثر أهل النار: أنهن يكفرن العشير، وأنهن ‏ناقصات عقلٍِ ودين؛ ولهذا لما سألت امرأة عن ‎النقصان في العقل، أخبرها النبي -صلى ‏الله عليه وسلم- أن نقصان عقلها شهادتها على‎ ‎النصف من شهادة الرجل، ونقصان دينها ‏تركها للصلاة عند الحيض‎.

فهكذا أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من طبيعة المرأة كفران العشير -وهو الزوج- وكثرة التشكي، وإنكار المعروف في حالة الغضب «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم ‏رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط»(2) وهذا وصف أغلبي، وإلا فهناك منهن من تفوق الرجال زهداً ‏وورعاً وعفة وعبادة.

والناظر في أحوال النساء اليوم يجد أن الكثير منهن يقعن في كثير من الأخطاء والمخالفات الشرعية، إما عن جهل بسيط أو مركب، وإما عن تقليد ومحاكاة للغرب -ومن تشبه بقوم فهو منهم- وإما عن عناد وعصيان، وارتكاب للمنكرات مع العلم بحكمها، ولا شك أن ذلك من أسباب فشو المنكرات، وظهور الفواحش، ووقوع النساء في غضب الله سبحانه وتعالى وعقوبته.

ومن هذه المحرمات والمخالفات الشرعية ما يحدث في مجالس النساء من (الغيبة والنميمة والحسد والكذب والبهتان، والكبر) ومن المحرمات أيضاً الذهاب للسحرة والمشعوذين، والحلف بغير الله، والدعاء على النفس والأولاد والزوج، وحضور منكرات الأفراح، واتخاذ الأخدان، والاختلاط في الأسواق، والخضوع بالقول للرجال، وتقليد الكفار، وكشف العورات، وترك ما أمر الله به من الحجاب، وإظهار التبرج والسفور، ومن صور التبرج التي انتشرت اليوم في النساء: إظهار الزينة، وكشف الوجه، ووضع غطاء شفاف على الوجه، ولبس الملابس الضيقة، أو المفتوحة أو القصيرة، أو لبس الملابس الشفافة، أو ذات الفتحات الواسعة من جهة الصدر، وعدم لبس القفازات والجوارب الساترة لليدين والقدمين، ولبس الكعب العالي، والعباءة المطرزة أو المزركشة أو القصيرة، وغير ذلك من أنواع التبرج والسفور المنتشرة في هذا العصر، والعدول عن الحق، والغفلة عن ذكر الله، والركون إلى الدنيا وزخارفها، والبعد عن الدين، وإتباع أساليب الشيطان وطرقه، والإعلام الفاسد هو المروّج لمثل هذه الأمور المحرَّمة، وهو ما يجعل النساء يقدمن على مثل هذه الأمور المسببة لدخول النار، وغضب الجبار.

ولهذا وعظهن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في هذا الحديث رحمة بهن، وشفقة عليهن، وأمرهن بالصدقة، فالواجب على المرأة المؤمنة بالله أن تأخذ هذه النصيحة من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعزيمة، وتحملها على محمل الجد، وتنتبه لنفسها قبل حلول الآجال، وفوات الأوان، وملاقاة الملك الديان.

والواجب أيضاً على كل مسلمة تريد نجاة نفسها أن تتقيد بتعاليم الإسلام، وأن تبتعد عن المعاصي والسيئات التي تحبط الأعمال، وتوقع في الأمور الشنيعة، وأن تربأ بنفسها عن موارد السوء، وتحرص على معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وتنصح أخواتها المسلمات، وتحذرهن من الوقوع في المنكرات والمخالفات، حتى لا يكن فريسة لذوي الشهوات.

فنصيحتنا لكِ -أختاه- الحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه لا سيما الصلاة، والبعد عما حرمه الله سبحانه وتعالى، وبخاصة الشرك بصوره المتعددة التي تنتشر في أوساط النساء، مثل طلب الحاجات من غير الله، والحلف بغير الله، وإتيان السحرة والمشعوذين، ونحو ذلك.

فندعوك -أختاه- إلى السعي في إنقاذ نفسك من النار، بالوقوف عند حدود الله -جل وعلا- والانشغال بما طلب منكِ من تحقيق العبودية لله، ووقاية النفس من النار، واتركي التفكير فيما لا ينفع من اللعب واللهو واللغو، وخدش الحياء الذي هو أعظم أملاكك، وتذكري أنك بمجرد دخول أبواب الجنة ستزول منكِ كل تعاسة وحزن وهم وكدر مر بك في هذه الدنيا الفانية.

الوقفة الثانية:

ومن الفوائد المستنبطة من هذا الحديث العظيم بيان حال النساء الصحابيات في سرعة استجابتهن لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، حيث جاء في هذا الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه صلاة العيد بلا أذان لها، ولا إقامة، فلما فرغ من الصلاة خطبهم ووعظهم، واتجه إلى النساء، ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن، وخصهن بزيادة موعظة، وَبَيَّنَ لهن أنهن أكثر أهل النار، وأن طريق نجاتهن منها الصدقة؛ لأنها تطفئ غضب الرب، فقامت امرأة جالسة في وسطهن، وسألته عن سبب كونهن أكثر أهل النار؛ ليتداركن ذلك بتركه، فأخبرهن السبب، وهو أنهن يكثرن الشكاة، والكلام المكروه، ويجحدن الخير الكثير إذا قصر المحسن مرة واحدة؛ ولما كان نساء الصحابة -رضي الله عنهم- سبَّاقات إٍلى الخير، وإلى الابتعاد عما يغضب الله أخذن يتصدقن بحليهن التي في أيديهن وآذانهن، من الخواتم و القروط، يلقين ذلك في حجر بلال، محبة في رضوان الله، وابتغاء ما عنده(3).

الوقفة الثالثة:

واعلمي -أختاه- أن الصدقة والإنفاق في وجوه الخير من أعظم الطاعات، وأفضل القربات التي رغب فيها الله ورسوله، لما فيها من النفع العظيم لعباد الله:

وقد جعلها الله سبباً لجلب البركة للمال المنفق منه، فهي لا تنقصه، والله سبحانه لا يتقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وينميها لصاحبها إلى يوم القيامة، حيث يجازيه بها.

فالصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل، وهي نزول عن المال بلا عوض ولا رد على المساكين وهم الذين أسكنتهم الحاجة وذللتهم، وأعظمها سقيا الماء على الظمأ، قال أبو الجوزاء: "سألت ابن عباس -رضي الله عنهما- أي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء، أرأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة، قالوا: ?أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء? [الأعراف:50](4) وعن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت، فأي صدقة أفضل؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: «الماء» فحفر بئراً، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «هذه لأم سعد»(5).

وقد رغب النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته عامة، وصحابته خاصة إلى الصدقة والإنفاق في سبيل الله -عز وجل-

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل»(6) متفق عليه، ومعنى "بعدل تمرة": أي بقيمتها و(الفلو) هو: المهر.

وابتعدي -يا رعاكِ الله- عن الشح والبخل؛ فإن الشح بالمال، والإمساك عن الصدقة إنما تنشأ في المرء من حب الدنيا، وقلة اليقين بما عند الله، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا ذر قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» مثلما صنع في المرة الأولى"(7) هكذا حاله -صلى الله عليه وسلم- في الحث على الصدقة، وإنفاق المال في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير يحضر، وهذا هو معنى إشارته وحثوه بين يديه وعن يمينه وعن شماله(8).

الوقفة الرابعة:

- واعلمي -أختاه- أن للصدقة في الإسلام مفهوماً واسعاً، لا يقتصر على بذل المال، وإنفاقه على أوجه البر والخير فقط:

بل إن الصدقة متنوعة، وهذا التنوع دليل على شمول الشريعة الإسلامية ويسرها، فالصدقة منها الواجبة كالزكاة تؤخذ من النقدين -الذهب والفضة-، وما يقوم مقامهما من النقود الورقية، وتؤخذ من الثمار والزروع، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة على اختلاف أنواعها، ومنها الصدقة المستحبة وبابها أوسع وأشمل، وفي هذا كله تيسير عظيم على المتصدق والمتصدق عليه، ونشر لروح التعاون، ومد يد العون للمحتاجين والمعوزين.

بل تعدى مفهوم الصدقة في الإسلام من الصدقة الحسية إلى الصدقة المعنوية، فتبسمكِ في وجه أختك المسلمة صدقة، وكل معروف صدقة، حتى اللقمة يضعها الرجل في فم امرأته، والمرأة في فم زوجها يكتب لهما بها صدقة، وهذا يدل على رحمة الله بعباده، وعظيم فضله وجوده، وسعة شريعته، ومواكبتها لحاجة العباد، فالحمد لله الذي جعلنا من أتباعها، وصدق الله العظيم القائل: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? [المائدة:3].

وقد أوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - مفهوم الصدقة، وأنها ليست مقتصرة على بذل المال للمستحقين فقط، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة»(9) [رواه البخاري في الأدب المفرد].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة»(10) [متفق عليه].

فمما يُكتب من الصدقة الكلمة الطيبة، والشفاعة الحسنة، والمعونة في الحاجة، وعيادة المريض، وتطييب قلب مسلم، وتعليم العلم، وتعليمه وغير ذلك، بل إنه يشمل كثيراً من الطاعات والعبادات التي تبرهن على صدق صاحبها، وصدق عبوديته لله (والصدقة برهان).

فأنتِ -أختي في الله- إذا تأملت جميع الطاعات وجدتها إنفاقاً مما يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وإما من جاهه، وهذه كلها محبوبات، فيمكن للمرأة أن تضرب بسهم وافر في مجالات الصدقة العديدة والواسعة، وليست مقصورة على المال، فاحرصي على هذه الأبواب، ولا تدعيها تفوتك، فهي يسيرة على من يسرها الله عليها، ولا تظني أن الصدقة بالأموال فقط، فهذا التنبيه على هذه الأبواب الخفية أو المتغافل عنها، أو غير المحتسب فيها الأجر، فإن كثيراً من الناس قد يقومون بها دون احتساب الأجر.

ومن زيادة الحث على النفقة في الإسلام أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى المؤمن أن يحتقر الصدقة القليلة فيمتنع من بذلها حياء أو احتقاراً لها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»(11) والفرسن: الظلف، قال الإمام أبو زكريا النووي: "ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقارها الموجود عندها، بل تجود بما تيسر وإن كان قليلاً كفرسن شاة، وهو خير من العدم..."(12).

الوقفة الخامسة:

- واعلمي أن الصدقة يزداد فضلها في حالات، منها:

1 - الصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فعن سليمان بن عامر الضبي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة»(13). والرحم التي أمر بصلتها هي كل ما يرتبط بقرابة سواء كانت من الأصول: كالآباء والأمهات وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والحواشي: من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، كما دل على أصل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك»(14).

وصلة الرحم أنواع على حسب الحاجة، فتكون بالنفقة لمن يحتاج ذلك، وتكون بالهدية، وبالتودد إليهم، وبالعون والإعانة على الحاجات، وبالنصيحة، وبدفع الضرر، وبالإنصاف معهم، وطلاقة الوجه، وبالعدل والقيام بالحقوق الواجبة، وبالدعاء، وبتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، والزيارة، وبالشفاعة الحسنة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضرر.

2- الصدقة في حال الصحة والقوة: الصدقة خير كلها وخيرها ما كان عن غنى، وفي حال صحة الإنسان، وليس عند حلول الموت؛ لقوله النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا»(15) فبادري بالصدقة قبل فوات الأوان!

3- الصدقة عن ظهر غنى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصدقة عن ظهر غنى»(16).

4- الصدقة من جهد المُقل: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهدُ المُقلّ، وابدأ بمن تَعُول»(17) وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سبق درهم مائة ألف! قالوا: يا رسول الله وكيف؟! قال: رجل له درهمان؛ فأخذ أحدهما فتصدّق به، ورجلٌ له مالٌ كثير، فأخذ من عُرْض ماله مائة ألف، فتصدق بها»(18).

5- والإسرار بالصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على ذلك مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.

6- والصدقة على ذي الرحم الكاشح أفضل من غيرها: قال -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح»(19) يعني أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه، والكاشح قال الزمخشري: "هو الذي يضمر العداوة، ويطوي عليها كشحه، أو الذي يطوي عنك كشحه، ولا يألفك"(20) يعني أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه، فالصدقة عليه أفضل منها على ذي الرحم غير كاشح؛ لما فيه من قهر النفس للإذعان لمعاديها، وعلى ذي الرحم المصافي أفضل أجراً منها على الأجنبي؛ لأنه أولى الناس بالمعروف.

7- ومن الخصال التي تربي الصدقة وتعظمها أيضاً: إخراجها من الحلال الطيب لا من الرديء، قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ? [البقرة:267].

الوقفة السادسة:

- ولتعلمي أن للصدقة ثماراً، منها:

أن الصدقة تحفظ المال من الآفات والمُهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سبباً في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له وأكثر وأطيب، وقد دلت على ذلك النصوص الثابتة والتجربة المحسوسة؛ فمن النصوص الدالة على أن الصدقة جالبة للرزق قول من لا تنفد خزائنه: ?وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ? [سبأ:39].

والإكثار من الصدقة يدفع الأسقام؛ فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «داووا مرضاكم بالصدقة»(21)، وفي الإنفاق استجابة لأمر ربنا تبارك وتعالى، وهي كذلك برهان على صحة الإيمان، ويذوق صاحبها طعم الإيمان، ومضاعفة الحسنات، ومغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، وإطفاء الخطايا، فقد قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»(22) وأن أجرها ثابت ولو كانت النفقة على النفس، وأن درجة البر تنال بالإنفاق، وأنها من صفات المتقين، ويحصل بها الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر، وعدم الحزن على ما فات، وأن صاحب الصدقة موعود بالخير الجزيل والأجر الكبير، وأن الله تكفل بتربية الصدقات للعبد، وأن الله يخلف الصدقة، وأنها تزيد في العمر، وأنها تمنع ميتة السوء، وبالصدقة تنتصر على الشياطين، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً»(23). يعني: كلهم ينهى عنها.

الوقفة السابعة:

لا بد أن تراعي المعاملة الحسنة والصبر على إلحاح بعض الفقراء، وعلى امتثال آداب الصدقة من السماحة والتبسم في وجه المحتاج، وعدم نهر السائل، واستعمال طيب الكلام عند انعدام النفقة بعيداً عن التصرفات التي تصدُّ عن دعوتهم، كالتعامل معهم على أنهم استغلاليون، وأذيتهم في الكلام، ولا يخفى ما في ذلك من الصدّ عن دعوة هؤلاء.

ولا بد أن نعلم أن الأمر لا يقتصر على المجازاة على الصدقة بمثلها؛ بل يتجاوز ذلك إلى حال المتصدق عليه؛ إذ بمقدار إدخالها للسرور عليه، وإزالتها لشدائده، وتفريجها لمضايقه، وإصلاحها لحاله، ومعونتها له وسترها عليه؛ ينال المتصدق أجره من الله من جنس ذلك، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من نفَّس عن مؤمن كُربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(24).

فلا تُتبعي الصدقة المن والأذى: "فإن الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها، هو الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعوراً، الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ? [البقرة:267] فالمنُّ عنصر كريه لئيم، وشعور خسيس واطٍ، فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة في إذلال الآخذ، أو رغبة في لفت أنظار الناس، فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء، وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب، ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن، فالمن -من ثم- يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ سواء، أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء؛ ورغبة في رؤية أخيه ذليلاً له كسيراً لديه؛ وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله، وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد والانتقام، وما أراد الإسلام بالإنفاق مجرد سد الخلة، وملء البطن، وتلافي الحاجة، كلا! إنما أراده تهذيباً وتزكية وتطهيراً لنفس المعطي؛ واستجاشة لمشاعره الإنسانية، وارتباطه بأخيه الفقير في الله، وفي الإنسانية؛ وتذكيراً له بنعمة الله عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا مخيلة، وأن ينفق منها "في سبيل الله" في غير منع ولا من(25).

وأخيراً: اقتطعي جزءاً من مرتبك أو مصروفك من كل شهر بشكل دائم تسهمين به في نشر الإسلام ومساعدة المسلمين في كل جزء من الأرض، شجعي طفلك على حُبّ الصدقة والإنفاق من خلال حصّالة الخير لكل طفل، ثم تقديم شهادة لكلّ طفل قدّم حصّالة من الجهة الخيرية، أو أخرج لمسكين صدقة، ولا تحقري في الله شيئاً، فقد قال سبحانه وتعالى: ?وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ? [البقرة:273] أي: مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»(26) فالصدقة سبب نجاتك من النار؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «تصدقن..»(27) ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»(28) فتصدقي بالمال وبالجاه وبالوقت وبالدعوة، فإن لم يكن لك فضل مال، فسبحي وكبري وهللي، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في رواية لمسلم: «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة»(29).

وتذكري قول تعالى: ?إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ? [الحديد:18] فاشتملت الآية على ذكر النساء أيضاً لحثهن على الصدقة، وكان يكفي أن يقال: ?إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ? فيدخل فيهم النساء، لكن نص على ذكر النساء أيضاً لحاجتهن إلى التصدق.

هذا ما أردت الإشارة إليه من فوائد هذا الحديث وإلا بمجرد قراءة هذا الحديث والتمعن فيه نجد فيه الكثير والكثير من الفوائد والدروس، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

___________________________

(1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب (2/531- 1393) وفي كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (1/116- 298) وفي كتاب الجمعة، باب الطيب للجمعة (3/506- 1462) عن أبي سعيد الخدري. ومسلم في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق (1/61- 250) عن ابن عمر.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر بعد كفر (1/19- 29) ومسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (3/33- 2147).

(3) انظر: تيسر العلام شرح عمدة الأحكام (1/219) وغيره من الشروح.

(4) تفسير روح البيان (3/129).

(5) أخرجه أبو داود (1/526- 1681) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/2).

(6) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب (2/511- 1344) ومسلم في الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (3/85- 2390).

(7) أخرجه البخاري (5/2312 - 5913) ومسلم (2/687 - 992).

(8) انظر: شرح النووي (7/72-73).

(9) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/307 -891) وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (3/14- 2685).

(10) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه (3/1090- 2827) ومسلم في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (3/83- 2382).

(11) أخرجه البخاري (2/907، 5/2240)(2427، 5671) ومسلم (2/714) (1030).

(12) شرح مسلم (7/120).

(13) أخرجه أحمد في مسنده (2/17- 214) والترمذي (3/ 38 - 658).

(14) أخرجه البخاري (7/91 - 5971) ومسلم (4/1974- 2548).

(15) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح (2/ 515- 1353) ومسلم في كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (3/93- 2429).

(16) أخرجه مسلم في الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة (3/94- 2433).

(17) أخرجه أبو داود (2/54- 1679) ومسند أحمد (14/324- 8702) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/109- 566).

(18) أخرجه النسائي (5/59- 2527) وغيره وحسنه الألباني في صحيح الجامع انظر حديث رقم: (3606).

(19) أخرجه أحمد (24/36- 15320) وصححه الألباني في صحيح الجامع انظر حديث رقم: (1110).

(20) فيض القدير للمناوي (2/38).

(21) حسنه الألباني عن أبي أمامة في صحيح الجامع انظر حديث رقم: (3358).

(22) أخرجه الترمذي (2616).

(23) أخرجه أحمد (38/60- 22962) وغيره وصححه الألباني في صحيح الجامع انظر حديث رقم: (5814).

(24) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (8/71- 7028).

(25) في ظلال القرآن (1/286).

(26) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب لا تحقرن جارة لجارتها (5/2240- 5671) ومسلم في الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل ولا تمتنع من القليل لاحتقاره (3/93- 2426).

(27) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب (2/531- 1393) وفي كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (1/116- 298) وفي كتاب الجمعة، باب الطيب للجمعة (3/506- 1462) عن أبي سعيد الخدري. ومسلم في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق (1/61- 250) عن ابن عمر.

(28) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (5/2400- 6195) ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (3/86- 2396).

(29) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/697- 53).

 

 


اسمك:
نص التعليق :