الودود الولود من نساء أهل الجنة
الكاتب: أميرة بنت علي الصاعدي

جاء في الحديث الشريف: «ألا أخبركم بنســائكم من أهــل الجنــة؟ الودود، الـولود، العــؤود، التي إذا ظلمت قالت: هـذه يـدي في يـدك، لا أذوق غمضــاً حتى ترضــى» [صححه الألباني].

قال في عون المعبود: "«تزوجوا الودود»؛ أي: التي تحب زوجها, «الولود»؛ أي: التي تكثر ولادتها؛ وقيد بهذين لأن الولود إذا لم تكن ودوداً لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولوداً لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد".

فمن مقاصد الزواج العظيمة: بقاء النوع الإنساني؛ لعمارة الأرض التي استخلف الله الإنسان فيها؛ ولذا حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الزواج من الولود، كما حث على كثرة النسل في لفظ آخر: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم يوم القيامة» [أخرجه ابن حبان في صحيحه].

وزاد في رواية: «ولا تكونوا كرهبانية النصارى»؛ أي: الذين يترهبون في الأديرة، ولا يتزوجون, وهذا يؤذن بندب النكاح، وفضل كثرة الأولاد؛ إذ بها حصول ما قصده من المباهاة والمغالبة.

وجاء في فيض القدير: "لا ينتظم أمر المعاش حتى يبقى بدنه سالماً ونسله دائماً، ولا يتم كلاهما إلا بأسباب الحفظ لوجودهما، وذلك ببقاء النسل".

وقد أورد ابن حجر في فتح الباري عدة أحاديث في فضل الزواج، وتكثير النسل, ثم قال: "المقصود من الترغيب في التزويج أصلاً، لكن في حق من يتأتى منه النسل كما تقدم، والله أعلم".

ومما يلاحظ في حديث المكاثرة والمباهاة: حرص الإسلام على تحقيق الأهداف القريبة والبعيدة المدى، المكاثرة في الدنيا لتنمية الموارد، واستثمار الطاقات وعمارة الأرض، والمباهاة في الآخرة لتكثير أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام: جواز المكاثرة والمباهاة في الدنيا وفي الآخرة, فقال: "جوازها في الدار الآخرة، ووجه ذلك أن من أمته أكثر, فثوابه أكثر؛ لأن له مثل أجر من تبعه".

لذا نحن نتعبد الله بكثرة النسل؛ تكثيراً لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولنكثر أتباعه، قال الشيخ ابن جبرين: "فهو يحب أن تكثر أمته، وأن يكثر أولادهم الذين هم على سنته، متبعون لشريعته، حتى يباهي بهم الأمم، وإن كان الله تعالى قد قدر من سيخلقه، وعلم عدد الخلق الذين قدر وجودهم، ولكنه جعل لذلك أسباباً وجودية، أو أسباباً سلبية".

ولم يرد في نص ولا أثر صحيح التحذير من كثرة النسل، والخوف من قلة الموارد، بل وعد الله بالرزق فقال: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطئًا كَبِيرًا? [الإسراء:31].

وفي هذه الآية: "الخطاب لغير الفقراء، وهم الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر لا أنهم مفتقرون في الحال، وذلك أنهم يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى، فوجب تقديم العِدَةِ برزق الأولاد فيأمنوا ما خافوا من الفقر".

بخلاف الآية الأخرى: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ? [الأنعام:151].

فقدم رزق الآباء على الأبناء، وذلك أن الكلام في الآية موجه إلى الفقراء دون الأغنياء, فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم لا أنهم يخشونه، فأوجبت البلاغة تقديم عِدَتهم بالرزق تكميل العِدة برزق الأولاد.

وحين يتكفل الله بالرزق، ويهيئ الأسباب للعباد، يكفيهم مؤنة الأسباب المادية، ويعلق القلوب بالله؛ لتقوى يقينها بخالقها، ويشتد توكلها عليه، وهذا هو سر حياة المؤمن، وسبب طمأنينة قلبه وراحة باله، بخلاف الكافر فهو يخشى الفقر، ويرتبط قلبه بالأسباب المادية، فلا يؤمن بالغيب، ولا يستسلم لقدر، ولا يوقن بجنة ولا نار.

ومع ترغيب الشرع بكثرة النسل، نجد في الوقت نفسه الاهتمام بالنوع، وجودة المخرج، ففي الحديث مما يتركه المرء بعد وفاته: «ولد صالح يدعو له»، وإفراد لفظ: «ولد» ليس مقصودًا كماً بل نوعاً، فقد يترك المرء أولاداً صالحين، والصلاح لفظ جامع لكل ما فيه خير في الدنيا والآخرة، فالعبرة بنسل صالح لا بزيادة أرقام.

كما جاء في الحديث: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع», فالإسلام ينظر لهذا الطفل نظرة بناء واستثمار، لا رقماً لا قيمة له؛ وبالتالي يتحمل الوالدان مسؤولية هذا النشء: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

وهذا الشعور بالمسؤولية يعزز الاهتمام بالكيف كثرت الرعية أم قلَّت.

والإسلام يرغب في النكاح، ويحث على التوالد، ويتكفل بالرزق، ويضمن الأسباب المادية، ويعلق القلب بخالقه، ومدبر أمره، قال تعالى: ?وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ? [الذاريات:22].

وحين سمع أعرابي هذه الآية صاح قائلاً: "وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً".

هذه عقيدة المؤمن الموحد الذي لا يعرف حرفاً ولا رقماً، ولكنه الإيمان الذي يخالط القلوب، وللأسف هناك من يطالب بتحديد النسل، وخفض الخصوبة، بحجج واهية، وفهم سقيم للتنمية البشرية.

"وهنا لفتة عجيبة‏، فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض‏؛ حيث يكد فيها الإنسان ويجهد‏، وينتظر من ورائها الرزق والنصيب‏، فإن القرآن يرد بصر الإنسان، ونفسه إلى السماء‏، إلى الغيب‏، إلى الله‏؛ ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم، والحظ المرسوم‏، أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة‏، فهي آيات للموقنين‏، آيات ترد القلب إلى الله؛ ليتطلع إلى الرزق من فضله‏، ويتخلص من أثقال الأرض، وأوهام الحرص‏، والأسباب الظاهرة للرزق‏، فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب‏.‏

والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها‏,‏ ويفهمها على وضعها‏,‏ ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها‏,‏ فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها‏,‏ إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها‏,‏ وألا يغفل عن الله في عمارتها‏؛‏ ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء‏,‏ وليأخذ بالأسباب‏,‏ وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه‏,‏ فرزقه مقدر في السماء‏,‏ وما وعده الله لا بد أن يكون‏".

وبفضل الله، أن الإسلام نظم حياة المسلم الشرعية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، ورغب في بناء أسرة مسلمة؛ لتكوين مجتمع صالح، من دون خوف من الفقر، أو نوائب الدهر، فخزائن الله ملأى لا ينقصها كثرة ولد، ولا كثرة إنفاق، وقد جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» [رواه مسلم].

وعوداً على حديث: «الودود الولود» ندرك أهمية قيام المرأة بدورها الطبيعي الفطري، في حسن التبعل، وكثرة الولادات، وهاتان الصفتان من أسباب دخولها الجنة، وهي مما تحسنه المرأة بطبيعتها، وتدركه بفطرتها، وهيأها الله لهذه المهمة، وزودها بالمهارات المعينة لها، وأعطاها القدرة على التحمل والصبر على الأعباء المترتبة على ذلك.

وبالتالي؛ من يطالب المرأة بغير ما خلقت له، وينادي بأن تتقلد غير وظيفتها، فقد كلفها حملاً ثقيلاً، وأرهقها فوق طاقتها، وحرمها من متعة حياتها وجمال أنوثتها.

وهذه الصفات الأنثوية مما تعرفها العرب قديماً، وتتفاضل النساء بها، وقد سئل أعرابي عن النساء، فقال: "أفضل النساء أطولهنَّ إذا قامت، وأعظمهنَّ إذا قعدت، وأصدقهنَّ إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت تبسمت، وإذا صنعت شيئـاً جودت، التي تطيع زوجها، وتلزم بيتها، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، الودود الولود، التي كل أمرها محمود".

فهنيئاً لأمهات المستقبل بنية الولد الصالح، وتكثير أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وجنة خالدة.

 

 

 


اسمك:
نص التعليق :