من صفات المحتسبة الناجحة
الكاتب: منصور صالح الجادعي

من صفات المحتسبة الناجحة

إن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجلّ الوظائف وأعظمها؛ إذ بها ينشر الخير، ويزال الشر، ويؤخذ على يد الظالم، ويقمع أهل الشرور والفجور، بها يعلم الجاهل وينبه الغافل، وتصحح الأخطاء، ويتعلم الناس ما الواجب عليهم، والقائمون بهذه الوظيفة -سواء كانوا رجالًا أو نساءً- لا بد أن يتصفوا بصفات تجعلهم يمارسون هذه الوظيفة على أكمل وجه وأتمه، حتى تتحقق الغاية المنشودة والثمرة المرجوة من هذا العمل المبارك، وفي هذا المبحث سنذكر بعض صفات المحتسبة الناجحة، حتى تكون أخواتنا المحتسبات على علم ودراية بهذه الصفات فيتحلين بها، أو يسعين في اكتسابها، هذه الصفات أشرنا إلى بعضها بإشارات مختصرة توضح مدى ضرورتها، وأجملنا بعضها نظراً لوضوحها, وأشرنا إلى مراجع تستفيد منها من تريد التوسع، فمن الصفات التي ينبغي على المحتسبة التحلي بها حتى تكون ناجحة في مهمتها:

1- الإخلاص:

لا بد للمحتسبة من أن تطلب بعملها وجه الله تعالى ورضاه دون أن تقصد بحسبتها رياء ولا سمعة؛ لأن الإخلاص شرط في قبول الأعمال الصالحة، فإذا لم يوجد الإخلاص كان عمل الإنسان وبالًا عليه، قال الله تعالى: ?فَمَن كَانَ يَرْجُو لقاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا? [الكهف:110].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(1)، والإخلاص من أسباب القبول والتوفيق، فمن أخلصت لله في ما تأمر به وتنهى عنه فإن الله لا يخيبها، ولا يضيع عملها، فإذا لم يكن استجابة لمن تدعوه فبإذن الله لن تحرم الأجر والمثوبة من الله تعالى.

2- العلم:

العلم الذي نقصده هو أن تكون القائمة بأمر الحسبة تعلم أن ما تأمر به من المعروف، وما تنهى عنه من المنكر، ولا يجوز لها أن تأمر بشيء أو تنهى عن شيء وهي لا تعرف حكم الله فيه، وإلا أدخلت نفسها في المحظور وأوردتها موارد الهلاك، يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"(2).

وقال عبد الرحمن الشيرزي رحمه الله: "لما كانت الحسبة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وإصلاحًا بين الناس، وجب أن يكون المحتسب فقيهًا، عارفًا بأحكام الشريعة؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، فيرتكب المحظور وهو غير عالم به.. "(3)، ولا يشترط أن تكون المحتسبة فقيهة متبحرة في العلم، وإنما يكفي أن تعلم أن هذا من المنكر فتنكره أو من المعروف فتأمر به وتدعو إليه(4).

3- الرفق:

لا بد أن تكون المحتسبة رفيقة في احتسابها ما أمكنها ذلك؛ لأن الرفق من الصفات المحببة إلى الخلق كما يحبها الخالق, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»(5)، وقال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(6)، ولا ينبغي أن تكون المتصدرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فظة غليظة؛ لأنها ستصد بغلظتها عن المعروف الذي تأمر به، وتنفر الناس منه، وتجعل صاحب المنكر يصر على منكره عنادًا لها، ومن علمت من أخلاقها الجفاء والغلظة فلا ينبغي لها أن تأمر بتلك الأخلاق حتى تعدل من أخلاقها وتلين من طبعها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف, ونهيك عن المنكر غير منكر"(7).

ولا يعني أن الرفق في الاحتساب هو الأسلوب الوحيد ولكن هو الغالب؛ لأن من الناس من هو معاند أو مستهتر، ولا ينفع معه أسلوب الرفق، فمثل هؤلاء يغلظ عليهم بما يتناسب مع عنادهم واستهتارهم، ويستخدم الأسلوب الذي يردعهم عن غيهم وباطلهم، والمحتسبة الحصيفة من تستخدم كل أسلوب في موطنه, ومع الشخص الذي يناسبه.

4- الصبر:

لأهمية هذه الصفة العظيمة ذكرت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تحث عليها وتذكر جزاء أهلها، والمحتسبة لا بد أن تتخلق بهذه الصفة؛ لأن وظيفتها تتطلب ذلك، بل إنها لا تستطيع ممارسة مهمتها إذا عدمت هذه الصفة من أخلاقها، ولكِ أختي المحتسبة أن تنظري إلى وصية الحكيم لقمان لولده: ?يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? [لقمان:17]، "فَأَتْبَعَ حَثَّهُ له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر؛ وما ذلك إلا لأن القيام بهذه المهمة يتطلب كثيراً من المجاهدة ولحوق الأذى بالمحتسب، وهذا لا يثبت معه إلا من كان متحلياً بالصبر"(8)، ويقول العلامة ابن سعدي: "ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: ?وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ? [لقمان:17] الذي وعظ به لقمان ابنه ?مِنْ عَزْمِ الأمُورِ? [لقمان:17] أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم"(9).

فالمحتسبة لا بد أن توطن نفسها على تحمل الأذى، وتعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم- وهو من هو- قد أوذي بشتى أنواع الأذى في سبيل دعوته إلى الله, ولكنه تحمل وصبر، فتتأسى به ويكون هو قدوتها مع الأنبياء والصالحين والصالحات الذين صبروا على ما لاقوه من الأذى من أقوامهم.

5- الحلم:

الحلم: هو "ضبط النفس عند هيجان الغضب"(10) وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس فقال: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله عز وجل: الحلم والأناة»(11)، والمحتسبة محتاجة إلى التحلي بهذه الخصلة الكريمة؛ لأنها ستواجه من يثيرها ويجهل عليها، فإذا كانت غير حليمة فإن البلاء سيكون عظيمًا عليها، والغالب ألا يقبل الناس منها, بل قد يحملها الشيطان على أن تنتقم لنفسها وتنتصر لها، وتكون بذلك قد خرجت عن المهمة التي من أجلها جندت نفسها، فبدلًا من أن يتغير المنكر يقع منكر أعظم منه نتيجة للغضب والانتصار للنفس، يقول الإمام الذهبي: "ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم"(11)، ولكن صاحبة الحلم تعرف كيف تعالج الأمور بحكمة وأناة.

6- العدل:

من أهم الصفات التي لا بد أن تتصف بها المحتسبة: العدل مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، يقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ? [المائدة:8]، يقول الإمام الطبري: "يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم: القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم؛ لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم؛ لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري"(13).

وتبرز صورة العدل -الذي ينبغي أن تتصف به المحتسبة- في إنكار المنكر في حديث عمر رضي الله عنه أنه قال: «إن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد, فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله»(14)، فالنبي صلى الله عليه وسلم مع جلده لهذا الصحابي لشربه للخمر وعدم تساهله معه إلا أنه لم ينس له فضل محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلى من أنكرت منكرًا أن تكون عادلة في حكمها على من وقع منها المنكر، ولا تتجاوز الحد المشروع في الإنكار.

7- الحكمة:

أمر الله سبحانه وتعالى عند الدعوة إلى سبيله أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة, فقال: ?ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ? [النحل:125]، يقول سيد قطب -رحمه الله-: "يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم, فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن.

إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه"(15).

فمن الحكمة عند إنكار المنكر: مراعاة أحوال المخاطبين، ومراعاة الطريقة التي توجه إليهم، والأسلوب المستخدم معهم فيفرق في ذلك بين المعاند والمتجاوب، وبين الجاهل والعالم، والصغير والكبير، وكل ذلك مرده إلى الحكمة(16).

8- التواضع:

خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد يظهر من أسلوب عرض المحتسبة ما يكون فيه تعاليًا على المحتَسَب عليها، ولذلك كان على المحتسبة أن تتخلق بالتواضع وتبتعد عن احتقار وازدراء من تحتسب عليها، وتتفقد أسلوبها في كلامها وتصرفاتها؛ حتى لا يفهم منها التعالي وإظهار رتبة العلم والعفة، وإذلال صاحبة المنكر ونسبتها إلى الخسة والجهل(17)، وهذه الصفة هي من صفات عباد الرحمن الكمَّل: ?وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا? [الفرقان:63]، هذه الصفة الكريمة لها أثر بالغ في نفس المحتسب عليه، حيث يشعر بقرب المحتسب منه ولين جانبه وحرصه على هدايته، فيكون أدعى لقبول الحق منه والامتثال لما يأمره به.

9- الرحمة وإظهار الشفقة:

ينبغي للقائمة بأمر الحسبة أن يكون الدافع والمحرك لها الرحمة على المحتسب عليه -سواء كان رجلا أو امرأة-, وكذا الشفقة منها على من وقع في منكر، فهي بهذا الدافع تحرص على أن تبذل وسعها في استنقاذ من وقع في معصية الله خشية عليه من الهلكة، وتظهر هذه الرحمة وهذه الشفقة في كلماتها وتصرفاتها، وتنوع أساليبها.

يقول الإمام ابن القيم: "إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب.. وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه, فهذه رحمة مقرونة بجهل"(18).

ويقول عبد العزيز أحمد: "ما أحوج الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إلى إحساس الناس بأنهم يعيشون هذا الجانب، فمتى شعر الإنسان المدعو أن هدفه من أمره ونهيه -وإنكاره- الخوف عليه من عذاب الله فسرعان ما يستجيب، وإن لم يستجب فإنه لا يحصل منه أذىً في الغالب"(19).

هذه الصفات التي ذكرناها إذا تخلقت بها المحتسبة فإنها بإذن الله ستكون ناجحة في عملها وسيكون لها القبول في أوساط من تحتسب عليهم، وبقدر تخلقها بهذه الصفات سيكون نجاحها بإذن الله.

كما أنه توجد صفات أخرى ينبغي أن تتحلى بها المحتسبة، كالشجاعة، والصدق، والعفو، والغيرة على محارم الله، وإجادة الحوار والإقناع(20)، وكلما زادت أخلاق المحتسبة الحسنة زاد نجاحها.

نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

_______________________________

(1) رواه مسلم (4/ 2289) رقم (2985).

(2) الزهد لأحمد بن حنبل (ص301).

(3) نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة (ص6).

(4) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص176) خالد السبت.

(5) صحيح مسلم (4/ 2003) رقم (2593).

(6) صحيح مسلم (4/ 2004) رقم (2594).

(7) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص17) ابن تيمية.

(8) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص238) خالد السبت.

(9) تفسير السعدي (ص648).

(10) أدب الدنيا والدين (ص252).

(11) رواه مسلم (1/ 46) رقم (17)

(12) سير أعلام النبلاء (17/ 41)

(13) تفسير الطبري (10/ 95).

(14) البخاري (6/ 2489) رقم (6398).

(15) في ظلال القرآن (6/ 308).

(16) انظر: أخلاقيات إنكار المنكر في ضوء التربية الإسلامية (ص209) إبراهيم بن خضران الزهراني.

(17) انظر: أخلاقيات إنكار المنكر في ضوء التربية الإسلامية (ص204).

(18) إغاثة اللهفان (2/ 174).

(19) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرها في حفظ الأمة (ص374) عبد العزيز أحمد المسعود.

(20) للاستزادة انظر: أخلاقيات إنكار المنكر في ضوء التربية الإسلامية (ص176-25)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص170-293) خالد السبت.

 


اسمك:
نص التعليق :