احتسبي قرارك

مريم بنت حسن تيجاني

إنَّ مما يَحزُن الفؤادَ أن نرى فتيات الإسلام يخرجْن للأسواق وللأماكن العامة بحُجة الملَلِ والفَراغ، والرغبة في قطعِ الوقت مع الصَّديقات والرفيقات، فنراهنَّ في المطاعم والأَسواق والشاليهات.. وغيرها، دون حاجةٍ حقيقيةٍ للخروج, ولا ضرورة مُلحَّة!

لذا سنتناول هذا الموضوع على ضوء هِدايات الآية الكريمة: ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? [الأحزاب:33].

ولجميع أولئك الفتيات والنِّسوة نقول: احتسبي قَرَارَكِ، واعلمي غاليتي أنَّ قرار المرأة في بيتها فريضةٌ واجبة تؤجَر عليها, إن احتسبتْ ذلك لوجه الله تعالى، فامتنعي عن فضول الخروج؛ كيلا تَفتِني أو تُفتَني.

وما لم يكن في خروجك مصلحة: كزيارةٍ لأقربين، أو أمرٍ بمعروف، أو نَهي عن منكَر، أو كسب لقوتٍ لا يكفيك إياهُ غيرُك.. أو غير ذلك مِن الحاجات والضرورات, فإنَّ خروجكِ يندرج تحت الخروج المحرَّم -والعياذُ بالله-, فانتبهي وتنبَّهي غاليتي الحبيبة؛ فإني لكِ مُحبةٌ ناصحة.

فمعنى الآية الكريمة: "الأمر بلزوم البيت: ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ? [الأحزاب:33]؛ أي: اقررنَ، بمعنى: الْزَمْنَ بيوتكنَّ؛ من قولهم: "قَرِرْتُ بالمكان أَقَرُّ قَرارًا".

وإن كان الخطاب لنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد دخل غيرهنَّ فيه بالمعنى، هذا لو لم يردْ دليل يخصُّ جميع النساء، كيف والشريعة طافحةٌ بلزوم النساء بيوتهنَّ، والانكِفاف عن الخُروج منها إلا لضرورة، على ما تقدَّم في غير موضع؟ فأمَرَ الله تعالى نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- بملازمة بيوتهنَّ، وخاطبهنَّ بذلك تشريفًا لهنَّ، ونهاهنَّ عن التبرُّج"(1).

وقد رُوي في تفسير الآية الكريمة أيضًا: "أنَّ عمارًا -رضي الله عنه- قال لعائشة -رضي الله عنها-: إنَّ الله قد أمرك أن تقرِّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلتَ قوَّالاً بالحق! فقال: الحمد لله الذي جعَلني كذلك على لسانك"(2).

ورُوي في سبب نزول آية الحِجاب: «أنَّ سودةَ -رضي الله عنها- خرجت بعدما ضُرب الحِجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: يا سودةُ، أما والله ما تخفَين علينا، فانظري كيف تَخرُجين، فرجعتْ فشكَتْ ذلك للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يتعشَّى، فأُوحيَ إليه، فقال: إنه قد أذنَ لكنَّ أن تخرجنَ لحاجتكنَّ».

قال ابن بطَّال: "فقه هذا الحديث: أنه يجوز للنساء التصرُّف فيما لهنَّ الحاجة إليه من مصالحهنَّ"(3).

وقد فقهتْ أمَّهاتُ المؤمنين -رضي الله عنهنَّ- معنى الأمر الإلهيِّ في الآية الكريمة، فمما يُذكر: "أن سودة -رضي الله عنها- قيل لها: لم لا تحجِّينَ ولا تَعتمِرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججتُ واعتمرتُ، وأمرَني الله أن أقرَّ في بيتي، قال الراوي: فوالله ما خرجتْ من باب حجرتها حتى أُخرجت جنازتها، -رضوان الله عليها-"(4).

وقال ابن العربي: "لقد دخلت نيفًا على ألف قرية، فما رأيتُ نساءً أصونَ عيالاً, ولا أعفَّ نساءً مِن نساء نابلس، التي رُمي بها الخليل -صلى الله عليه وسلم- بالنار، فإني أقمتُ فيها، فما رأيتُ امرأة في طريق نهارًا، إلا يوم الجُمعة؛ فإنهنَّ يَخرجْنَ إليها حتَّى يَمتلئ المسجد منهنَّ، فإذا قُضيت الصلاة وانقلبْنَ إلى منازلهِنَّ لم تقع عيني على واحدة منهنَّ إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيتُ بالمسجد الأقصى عفائفَ ما خرجْنَ مِن مُعتكفهنَّ حتى استُشهِدْن فيه"(5).

ومما ورَد في حديث عمر -رضي الله عنه-، وتعليله للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليُحجبَ نساءَه، قوله: «قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ نساءَك يدخلُ عليهنَّ البَر والفاجر، فلو أمرتهنَّ أن يحتجبْنَ؟ فنزلت آية الحجاب»(6).

ونحن نقول: فأنتِ غاليتي قد تمرِّين بالبَرِّ والفاجر عند خروجك؛ لذا فيَلزمك الاحتياط لذلك بالضوابط الشرعيَّة التي سنَذكرُها تِباعًا.

الضوابط الشرعية عند اضطرار المرأة للخروج من بيتها:

بما أنَّ الأصل أن المرأة مأمورة بلزوم البيت، منهيَّة عن الخروج إلا عند الحاجة، فسنَذكُر ضوابطَ الفقهاء التي وضعوها لخروجها، وهي الآتي:

الضابط الأول: أن يكون خروجها لضَرورة أو حاجة:

روى البخاريُّ في صحيحِه عن أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قد أذنَ الله لكُنَّ أن تخرجْنَ لحوائجكنَّ»(7).

يقول العيني في شرح هذا الحديث: "قال ابن بطال: في هذا الحديث دليل على أن النساء يخرجن لكل ما أبيح لهنَّ الخروج فيه؛ من زيارة الآباء والأمَّهات وذوي المحارم.. وغير ذلك مما تمسُّ الحاجة إليه"(8).

وأما إذا لم يكن لها ضرورة ولا حاجة، فلا يَجوز لها، بل يحرم عليها أن تترك عملها الأساس، وهو رعاية بيتها، ثم تَخرج إلى عمل لا حاجة لها به.

وجميل أن نستدلَّ على هذا الضابط بما جاء في قصة موسى -عليه الصلاة والسلام-: ?وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ? [القصص:23-24].

فهاتان الآيتان تُشيران إلى حالات الاضطِرار التي تُلجئ المرأة إلى العمل خارج المنزل.

الضابط الثاني: أن يكون الخروج بإذْنِ وليِّها:

المرأة لا تخلو من حالتين:

- أن تكونَ ذاتَ زوج.

- أو غير متزوِّجة.

• فإن كانت ذات زوج، فلا تخرج إلا بإذنِ زوجها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا تَخرُج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلتْ لعنتها الملائكة: ملائكةُ الغضبِ والرحمةِ، حتَّى تتوبَ أو تُراجِع»(9).

ولأنَّ طاعة الزوجة زوجها واجبة، فلا يَجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز لها الخروجُ إلا بإذنه.

• وإن كانت غير متزوِّجة، فلا يجوز لها الخروج إلا بإذن الأبوين في حال وجودهما، أو الجد في حال عدم وجود الأب(10).

الضابط الثالث: أن تلتزم بالحجاب الشرعي:

لا يبدو منها إلا ما لا بدَّ منه من الثياب الظاهرة؛ امتثالاً لقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا? [الأحزاب:59].

وقوله تعالى: ?وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ? [الأحزاب:53].

الضابط الرابع: أن يكون خروجها على تبذُّل وتستُّر تام:

عن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا استعطرَت المرأة فمرَّتْ على قوم ليجدوا ريحها، فهي كذا وكذا»(11).

وفي رواية لأحمد: «فهي زانية»(12).

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تمنَعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تَفِلَاتٌ»(13).

قال العينيُّ: "يجوز الخروجُ لما تحتاج إليه المرأة مِن أمورها الجائزة، بشرط أن تكون بذَّة الهيئة، خَشِنة الملبَس، تَفِلة الريح، مَستورة الأعضاء، غير متبرِّجةٍ بزينة, ولا رافعة صوتَها".

الضابط الخامس: ألا يُفضي خروجها إلى حرام أو ترك واجب:

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "الدَّعوة إلى نزول المرأة في الميادين التي تخصُّ الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي، ومن أعظم آثاره: الاختِلاط, الذي يُعتبَر مِن أعظم وسائل الزِّنا, الذي يفتك بالمجتمع, ويهدم قيَمه وأخلاقه, وعليه؛ فعمل المرأة بين الرجال من غير المحارم فتنة, تضعها على الطريق الموصل إلى ما لا تُحمَد عقباه مما حرم الله، وما يؤدِّي إلى الحرام، وعليه فعمل المرأة بين الرجال محرَّم لا يقول بخلافه إلا مَن حادَّ الله ورسوله"(14).

فاعلَمي غاليَتي القارَّة في بيتك، المُمتنعة عن فُضول الخروج، أنَّكِ في عبادة ما دمتِ تستصحبين النيَّة في ذلك غير ضجرة ولا ساخطة على أحكام الشرع المطهَّر، إنها عبادةٌ نسَويةٌ عظيمة يغفل عنها الكثير من المسلمات!

فالزمْنَ عزيزاتي.

________________

(1) تفسير البغوي، (6/ 349), والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: "تفسير سورة الأحزاب".

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تفسير سورة الأحزاب؛ قوله تعالى: ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? [الأحزاب:33].

(3) فتح الباري؛ لابن حجر، كتاب الوضوء، "باب خروج النِّساء إلى البَراز".

(4) الجامع لأحكام القرآن (14/ 163).

(5) المرجع السابق.

(6) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الوضوء، "باب خُروج النِّساء إلى البَراز".

(7) أخرجهُ البخاري، كتاب الوضوء، "باب خروج النساء إلى البَراز"، برقم: (146).

(8) عمدة القاري (20/ 218).

(9) أخرجه الهيثمي، برقم: (4/ 309)، وقال: فيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيفٌ، وبقيَّة رجاله ثقات.

(10) انظر: عمل المرأة؛ هند الخولي (ص:150).

(11) رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ حسن صحيح.

(12) مسند الإمام أحمد.

(13) رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.

(14) انظر: http://www.islaamlight.com/files/wqrn/thwab6.htm.

http://www.alukah.net/social/0/90363/