محتسبات في سماء الغرب

محتسبات في سماء الغرب

محمد أحمد المطاع*

  مما هو مشاهد اليوم في واقعنا المعاصر أن الدين الإسلامي يتعرض لحملة شعواء تريد اقتلاعه من جذوره، وتشويهه أمام النظرة العامة لكل الناس، حتى صار الإسلام اليوم يصدر في الغرب على أنه البعبع المخيف للبشرية، وأصبح ذكر الإسلام والمسلمين مقترناً إلى حد خطير بمصطلحات من قبيل الإرهاب والعنف وما شاكلهما، وغيرهما من الألفاظ التي انتشرت اليوم في الواقع الغربي.

هذه الهجمة الشرسة تطورت مع الأيام من إساءة إلى القرآن الكريم، إلى الإساءة للرسول - صلى الله عليه وسلم-، إلى الكيل لهذا الدين بالمصطلحات التي تُنَفِّر منه، وتدعو إلى البعد عنه، وقد ساعدت بعض التصرفات غير المسئولة من بعض المسلمين على ظهور ونمو هذا العداء، والتشويه للدين، ولعل التصرفات غير المسئولة أيضاً من قبل الغرب تجاه الإسلام والبلاد المسلمة قد أججت هذا التطرف الذي ظهر في أوساط بعض المسلمين.

من هنا قامت الغَيرة عند المسلمين لتصحيح المسار، وإزالة ما ترسب في عقول بعض الغربيين من فهم مغلوط لهذا الدين، ونظمت الحملات تلو الحملات لمواجهة هذا العداء السافر والغير مسؤول عن الإسلام والمسلمين، فعلى سبيل المثال:

أعلنت "مؤسسة الفرقان" الهولندية أنها نظمت حملة ضد الهجمة التي يتعرض له الإسلام، بعنوان: "إنه وقت الإسلام" تشمل ثلاثة محاضرات، وعلى جانب آخر نظمت مجموعة "أخوات السُّنَّة الإسلامية" بمدينة "آبل دورن" الهولندية سلسلة دروس خلال 12 أسبوعًا يشرح فيها أركان الإيمان، من قبل دعاة معروفين على الساحة الإسلامية الهولندية.

ولعل ما يلفت النظر إليه ويشد الانتباه، أن توجد هذه الحملات التي يراد منها الدفاع عن الإسلام أن توجد مثل هذه الحملات في المجتمع الأمريكي، من قبل نساء غيورات، وقد " أشادت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بالدور الذي لعبته المرأة المسلمة في المجتمع الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م".

وذكرت الصحيفة الأمريكية: "أن عدداً من النسوة أسسن مكاتب هدفها التعريف بتعاليم الإسلام السامية، ووضع المرأة ودورها في المجتمع"، ونقلت الصحيفة عن سمية خليفة، وهى أمريكية من أصل مصري، رمز لتمكين المسلمات في الولايات المتحدة، قولها: "إنه برغم ارتدائها الحجاب، إلا أنها سيدة نشطة وتشعر بالقلق حيال تشكك غير المسلمين بالإسلام".

من جهتها أكدت شيرين زمان، المدير التنفيذي لمعهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، وهو معهد بحثي لا يهدف للربح أسس بعد أحداث 11 سبتمبر؛ لإجراء أبحاث حول المسلمين الأمريكيين: "ما نراه الآن في أمريكا نوع من التمكين غير الرسمي والهادئ للمرأة"، وأضافت: "في العديد من بلداننا الأم، يصعب كثيراً على المرأة سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أن تتبوأ دوراً قيادياً، وحقيقة الأمر أن تكون مسلماً في الولايات المتحدة هو في حد ذاته تمكين".

ومن ناحية أخرى، تقول نجاة بازى، ممرضة أمريكية ومؤسسة عدد من الجمعيات الخيرية في ولاية ميتشجان :"نعم أنا عربية، وأمريكية للغاية، ونعم أنا إسلامية للغاية، وإذا وضعت جميع هذه المكونات في خلاط، سينتج مكون واحد، وأنا هذا الشيء الجديد".[1]

هذا الخبر تناقلته الصحافة الأمريكية عن دور المرأة المسلمة في الدفاع عن دينها، ومن خلال هذا الخبر الذي ينشرح له القلب، ويطير له الفؤاد فرحاً بمثل هذا العمل في بلاد الكفر، نأخذ منه فوائد مهمة جلية، منها:

أولاً: أن قلب المسلمة حيٌّ تشع منه الحياة، حياة القلوب، هذه الحياة المتصلة بالله -تبارك وتعالى- التي تبث الغيرة على هذا الدين، والحرص على أن لا تضيع معالمه، وسماته في أوحال الشائعات التي يبثها الغرب تجاه هذا الدين القويم، فالمسلم لا يرضى أن ينتهك دينه، أو أن تشاع حوله الشائعات المغرضة.

ثانياً: أهمية دور المرأة في الاحتساب لدينها، وأنها تستطيع أن تقدم لهذا الدين كما يقدم الرجل، ولا غرو أو عجب، فهن حفيدات خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- أول حاملة للواء والراية من أول لحظة في هذا الدين، وغيرها من الصحابيات الجليلات -رضي الله عنهن-.

إن هذا العمل الذي قامت به هؤلاء الأخوات الفضليات لهو امتداد طبيعي للنهج الذي سارت عليه أمهات المؤمنين والصحابيات -رضي الله عنهن-؛ ليثبتن للعالم أجمع أن هذا الدين يقوم للدفاع عنه كل أحد، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، فالدين لا يدافع عنه أناس معنيون، بل كل أبنائه.

ثالثاً: الغيرة الفطرية عند أبناء الإسلام لدينهم، وهذا من الميزات التي يمتاز بها المسلمون في شتى أصقاع المعمورة، وحيث ما وجد مسلم وجدت غيرته على دينه، وهذا خير مثال، وقد لمس العالم هذه الغيرة في قضايا شتى، فحين أسيئ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم-، ودنِّس المصحف الشريف، رأى العالم تلك الهبة التي انتفض لها كل مسلم في العالم أجمع، حتى إنه خرج غاضباً أناس ممن ينتسبون لهذا الدين اسماً، بمعنى أنه خرج البارُّ، والطائع، والملتزم، والبعيد عن الدين العاصي،... كل هذا يدل على أن الدين فطرة في نفوس أبنائه، وأنه مهما قام به الغرب من غزو فكري لأبناء الأمة، ومحاربة ثوابت الأمة فلن يستطيعوا أن يحجبوا ضوء الشمس، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [(32) سورة التوبة] ، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [(8) سورة الصف] .

وعد صادق، من الله -تبارك وتعالى- بإتمام هذا الدين الإسلامي، {وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [(122) سورة النساء].

رابعاً: من الأمور الهامة التي يجب أن نتنبه لها -نحن المسلمون- هو: احترام الغرب الكافر لمن يتمسك بدينه، وإجلاله؛ لأنه يظهر أمامهم كالجبل الراسي، وهذا نلحظه من الخبر نفسه، فقد: أشادت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بالدور الذي لعبته المرأة المسلمة في المجتمع الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.

وإن تعالت أصوات العداء للمتمسك بدينه اليوم، وإن نُعت بنعوت من الألقاب التي تتصدر اليوم، لكن في الحقيقة أن الغرب يقف أمام المتمسك بدينه وقفة إجلال واحترام؛ لعلمهم أن هذا ثابت على مبدأ، لا يميل عنه، ولا يحيد. –وبغض النظر عن تخوفهم منه وحقدهم عليه- فهذا جانب آخر.

خامساً: أهمية الدور الذي تلعبه المرأة المسلمة في مجال الدعوة إلى الله -عز وجل-، والدفاع عن ثوابت الأمة، وهذا الدور لا يقل أهمية عن دور الرجل، فإصلاح نصف المجتمع أو أكثر يكون منوطاً بالمرأة، وتظهر أهمية هذا الدور في أن الدعوة إلى الله أول ما تنشأ في تنشئة الأجيال وأول ما تكون في أحضان النساء، فدعوتها تبدأ للطفل في مهده، فهؤلاء الدعاة الكبار والعلماء الأفذاذ هم من ثمرات أمهاتهم، وقد أحسن من قال:

من لي بتربية النساء فإنها *** في الشرق علة ذلك الإخفاق

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعباً طيب الأعراق

الأم روض إن تعهده الحيا ***بالريّ أورق أيما إيراق

الأم أستاذ الأساتذة الألى *** شغلت مآثرهم مدى الآفاق

أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً *** بين الرجال يجلن في الأسواق

يدرجن حيث أرَدن لا من وازع *** يحذرن رقبته ولا من واقي

يفعلن أفعال الرجال لواهيا *** عن واجبات نواعس الأحداق

في دورهن شؤونهن كثيرة *** كشؤون رب السيف والمزراق

تتشكّل الأزمان في أدوارها *** دولاً وهن على الجمود بواقي

فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا *** فالشرّ في التّقييد والإطلاق

ربوا البنات على الفضيلة إنها *** في الموقفين لهنّ خير وثاق

وعليكمُ أن تستبين بناتكم *** نور الهدى وعلى الحياء الباقي[2]

فالمرأة هي أم أو زوجة، أو أخت.

أما ما يجب على المرأة فدور واضح يكمن في تثقيف بنات جنسها، وتصحيح عقائد النساء، وذلك من خلال التجمعات سواء أكان في المحاضن التعليمية، أو فيما بين النساء من الزيارات التي تحصل فيها من الكلمات المفيدة ما يحصل، ومن الإرشادات فكم نسمع اليوم أن لبعض النساء دوراً كبيراً في هذه المسألة، وأنهن قد رتَّبْنَ جلساتٍ لبنات جنسهن في العلوم الشرعية، من ذوات النشاط في نشر الدعوة وكان لهن أثر كبير، ودور واسع في إصلاح المجتمع، وفي الدعوة إلى الله -عز وجل-، وسواء كان هذا العمل الذي تقوم به المرأة على المستوى الفردي أو المؤسسي، أو المحلي أو الدولي.

أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يهدينا ويهدي بنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


 

* : باحث بوحدة البحوث والدراسات في مركز المحتسب للاستشارات

[1] http://www.islammemo.cc/monawaat/2010/12/29/114238.html

[2] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب: (2/249)

 

 

 


اسمك:
نص التعليق :