فاطمة بنت الخطاب -رضي الله عنها-

فاطمة بنت الخطاب -رضي الله عنها-

التعريف بها:

هي: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ أُخْتُ عُمَرَ، تُكْنَى أُمَّ جَمِيلٍ، كَانَتْ تَحْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ عُمَرَ، وأخفت إسلامها عنه، فدخل عليها فسمعها تتلو آيات من القرآن، فضربها وشجها. والخبر معروف في إسلام عمر. وكانت زوجة لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل

سُجل اسمها في ذاكرة التاريخ ووعي الأمة من خلال إسلام أخيها "عمر بن الخطاب"، ويكفيها فخرًا واعتزازًا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعز الله الإسلام بأحد العمرين قد تحققت على يديها.

يحكِي عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قصة إسلامه على يديها، فيقول: "خرجتُ بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، فإذا بنعيم بن عبد الله المخزومي، فقلتُ له: أرَغِبْتَ عن دين آبائك إلى دين محمد؟ قال: قد فعل ذلك من هو أعظم عليكَ حقَّا مني. فقلتُ: ومَنْ هو؟ قال: أختك فاطمة وخَتنُك (صهرك) زوجها، (سعيد بن زيد). فانطلقتُ فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعتُ هَمْهَمَة، ولما فُتِح الباب -دخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمعُ؟ قالتْ فاطمة: ما سمعت شيئًا. فما زال الكلام بيننا حتى أخذتُ برأسها، فقالتْ: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييتُ حين رأيت الدم. فَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الْكِتَابَ، فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ، قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ: { طَهَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } [طه: 2] إِلَى قَوْلِهِ: { لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [طه: 8] فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ ؟ ثُمَّ شُرِحَ صَدْرِي لِلْإِسْلَامٍ، فَقُلْتُ: { اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [طه: 8]، قَالَ: فَمَا فِي الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَلَا تَهْجُهْ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا، فَأَتَيْتُ الدَّارَ فَأَسْلَمْتُ. حينئذ كَبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكَبَّر الصحابة وهللوا، وأعلنوا فرحتهم".(1)

دورها المهم في بداية الإسلام:

كان لها دور مهم في بداية الإسلام، فقد أعطتْ نموذجًا كريمًا للمرأة المحتسبة في الكتمان والسرية حفاظًا على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربْت -كذلك- مثالًا في الشجاعة.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألحّ أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل. فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته. وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه. وجاء بنو تَيْم يتعادَون, فأجلَت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تَيْم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكُّون في موته. ثم رجعت بنو تَيْم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلنَّ عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تَيم يكلِّمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلَّم آخر النهار, فقال: ما فعل رسول الله؟ فمسُّوا منه بألسنتهم وعَذَلوه(2)، ثم قاموا لأمه أم الخير فقالوا: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحَّت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والله مالي علمٌ بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أمِّ جميل بنت الخطّاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله, فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإِن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك, قالت: نعم؛ فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً(3)؛ فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح, وقالت: والله إِنَّ قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: والله لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فأكبَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إِلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي بَرَّة بولدها، وأنت مبارك فادعُها إلى الله وادعُ لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت».(4)

فهذه المرأة قد أعطتْ نموذجًا كريمًا للمرأة المحتسبة في الكتمان والسرية حفاظًا على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمن الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة الواجب توافرها في المرأة المحتسبة هو كتم السر وعدم إفشائه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (7145)

(2) العذل: أي العتاب، والتَوْبِيخ.

(3) ثقل من المرض ودنا من الموت.

(4) معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني(7274)

 


اسمك:
نص التعليق :