محتسبات عبر التاريخ

محتسبات عبر التاريخ

عادل محمد هزاع الشميري

يبقى التاريخ شاهداً على كل ما حصل فيه، ومن ذلك أنه سطر لنا احتساباً ونصرة للحق على أيدي نساء[1]، نعم على أيدي نساء! ولم العجب؟ وفي النساء من القدرات والطاقات ما لا تجده عند كثير من الرجال، ففي هذه الأسطر، تذكرة لكل متقاعس من الرجال عن الاحتساب؛ ولكل متخلية عن الاحتساب من النساء، ليعلم الجميع أن لله جنوداً قد لا نعلمها لكن الله يجعلها شوكة في حلق المنكر، ويد نصر وتأييد للمعروف.

ونبدأ بابنة الصديق أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها وعن أبيها-، وهي ابنة خير الناس بعد الأنبياء، من تربت في بيت عز وشرف، وبيت تضحية وفداء من أجل هذا الدين: فهاهي تحتسب على الحجاج عندما تكلم على ابنها عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - بعدما قتله، وأخذ الحجاج يبرر قتله لابن الزبير أنه ألحد في الحرم، فردت عليه أسماء بنت أبي بكر بالرد المسكت، فقد روى الحاكم في مستدركه عن أبي الصديق أنه قال: "لما ظفر الحجاج على ابن الزبير فقلته، ومثل به، ثم دخل على أم عبد الله، وهي أسماء بنت أبي بكر، فقالت: كيف تستأذن علي، وقد قتلت ابني؟ فقال: إن ابنك ألحد في حرم الله فقتلته ملحداً عاصياً حتى أذاقه الله عذاباً أليماً، وفعل به، وفعل، فقالت: كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين، والله لقد قتلته صواماً قواماً، براً بوالديه، حافظاً لهذا الدين، ولئن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك، ولقد حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما أشر من الأول، وهو المبير، وما هو إلا أنت يا حجاج" [2]، وجاء في صحيح مسلم أن الحجاج أرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بعد أن قتل ابنها عبد الله بن الزبير، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: "لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك [أي ضفائر الشعر]، قال: فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبتي [أي نعلي]، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف [أي يسرع، أو يتبختر] حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين؛ أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه، قال: فقام عنها، ولم يراجعها" [3].

ومن المواقف الاحتسابية التي سطرها التاريخ احتساب أم الدرداء - رضي الله عنها - على عبد الملك بن مروان عندما لعن خادمه: فقد كان عبد الملك بن مروان يرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسألها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[4]، فسمعته يلعن؛ فأنكرت عليه ذلك، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أسلم: "أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد [أنجاد: متاع البيت الذي يزينه] من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادمه، فكأنه أبطأ عليه؛ فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة))" [5]، قال الإمام النووي - رحمه الله -: " لا يكونون شفعاء، ولا شهداء، فمعناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، (ولا شهداء) فيه ثلاثة أقوال، أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات" [6].

ومن المحتسبات ابنتا الحافظ الصدوق عاصم بن علي بن عاصم الواسطي رحم الله الجميع: فقد احتسبتا على أبيهما بتحذيره من القول بخلق القرآن، أورد الذهبي في السير عن محمد بن سويد الطحان أنه قال: "كنا عند عاصم بن علي، ومعنا أبو عبيد، وإبراهيم بن أبي الليث، وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي؛ فنأتي هذا الرجل، فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام، خفي، فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي؛ فأوصيهم، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن؛ فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا، إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت" [7]، أي نساء هاتان البنتان؟! لأن يصل إليهن خبر موت أبيهن أهون عليهن من أن يأتي الخبر بقول أبيهن بخلق القرآن!.

وهاهي الشلبية، وهي من نساء الأندلس تحتسب على الظلمة: فترفع إلى السلطان يعقوب المنصور بكتاب تتظلم من ولاة بلدها، وصاحب خراجه، فتقول:

قد آن أن تبكي العيون الآبيه *** ولقد أرى أن الحجارة باكيه

يا قاصد المصر الذي يرجى به *** إن قدر الرحمن رفع كراهيه

ناد الأمير إذا وقفت ببابه *** يا راعياً إن الرعية فانيه

أرسلتها هملاً ولا مرعى لها *** وتركتها نهب السباع العاديه

شلبٌ كلا شلبٍ وكانت جنة *** فأعادها الطاغون ناراً حاميه

حافوا وماخافوا عقوبة ربهم *** والله لا تخفى عليه خافيه

فيقال: إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور، فلما قضى الصلاة وتصفحها بحث عن القصة، فوقف على حقيقتها وأمر للمرأة بصلة"[8].

وكم من النساء اليوم من هذه الأمة ممن يُجدن كتابة الشعر المؤثر، فلو أنهن صيرن هذه الموهبة في نصرة دين الله - تعالى -، وفي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لحصل من الخير الكثير بإذن الله - تعالى -.

ومن المواقف الاحتسابية التي لم ينسها التاريخ موقف تلك المرأة التي كانت سبباً في هداية أحمد بن طولون: فقد رُوِيَ أنه كان في أول عهده ظالماً باغياً، فلما ساءت الأحوال، وجبن العلماء على نصحه اعترضته امرأة في الطريق، فقدمت له بطاقة كتبت فيها:

ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وأُنْعِم عليكم ففسقتم، ووردت إليكم الأرزاق فقطعتم...، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما من قلوب أجعتموها، وأكباد أوجعتموها..اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، واظلموا فإنا بالله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

فلما قرأها هدى الله قلبه، فعدل لوقته"[9].

ومن النساء العظيمات اللاتي حفظ التاريخ احتسابهن الأميرة موضى بنت أبي وهطان في حثها زوجها الأمير محمد بن سعود على مؤازرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي:

إذ "لما قدم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - إلى الدرعية ليعرض دعوته على أميرها محمد بن سعود - رحمه الله - لعله ينصره بسيفه، ويحمي الدعوة التجديدية الوليدة، أوعز تلميذ شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن سويلم العريني إلى ثنيان ومشاري أخوي الأمير محمد بن سعود، وكانا من أنصار الشيخ وأتباعه، أوعز إليهما أن يستكشفا رأي أخيهما الأمير محمد في شأن الشيخ، ويقفا على مدى استعداده لمناصرة دعوته، فلم يترددا في قبول طلبه، وخَفَّا مسرعين إلى دار أخيهما الأمير محمد، وشرعا أولاً بمفاوضة زوجته المسماة موضى بنت أبي وهطان من آل كثير، وكانت امرأة مشهورة بوفرة الذكاء والنباهة وسعة الإدراك، وقد تحدث الأخوان إلى زوجة أخيهما طويلاً في المهمة التي جاءا من أجلها، وعن الدعوة التي يدعو إليها الشيخ، ومدى فائدتها في محاربة البدع والخرافات، ومكانة الشيخ، وما هو عليه من علم ومعرفة، وصفة ما يأمر به وينهى عنه، وأخيراً طلبا إليها أن تفاوض زوجها لمناصرة الشيخ، وشَدَّ أزره، وإشهار السيف من غمده في سبيل نصرة الدعوة التي يدعو إليها، فوعدتهما خيراً، وتم الاتفاق على ذلك، ونقلت السيدة موضى إلى زوجها ما دار بينها وبين أخويه من الحديث، ودعته إلى تأييد الشيخ، ونصرة دعوته، وقالت له: إن هذا الرجل قدم إلى بلدك، وهو غنيمة ساقها الله إليك؛ فأكرمه، وعظمه، واغتنم نصرته، ثم رغبته، وحسنت إليه القيام بزيارة خاصة إلى دار الشيخ أحمد بن سويلم لمقابلة الشيخ، لتكون إعلاناً جهاراً للملأ بأنه على نصرته، وتحت حمايته، لكي يعظمه الناس، ويكرموه، فوافق الأمير محمد على نصيحة زوجته، وتم اللقاء بينهما حيث أفاض الشيخ في شرح دعوته إلى التوحيد، وحاربة الشرك والبدع، وتمت البيعة بينهما، وعقد التحالف على قيام الأمير محمد بن سعود بشد أزر الشيخ، ونصرة دعوته، ودخل الشيخ البلد تلبية لدعوة الأمير محمد بن سعود"[10] ا. هـ.

______________

[1] كل هذه المواقف الاحتسابية التي سنوردها ذكرها د. سيد عفاني في كتابه زهرة البساتين من مواقف العلماء والربانيين (4/131-141).

[2] المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/571) رقم (8602)، وأحمد في المسند برقم (26427)، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (3538).

[3] رواه مسلم برقم (2545).

[4] مسند أحمد برقم (26981)، وصحح إسناده الأرناؤوط وغيره في تحقيق المسند (45/ 518).

[5] رواه مسلم برقم (2598).

[6] شرح النووي على صحيح مسلم (16/149).

[7] سير أعلام النبلاء للذهبي (9/264)، وذكر القصة الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (12/249).

[8] نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد المقري التلمساني (4/294).

[9] ذكرها العفاني في كتاب زهرة البساتين (4/139)، وأحالها على كتاب الشيخ محمود عبد الوهاب فايد المسمى بـ: "عالم أزهري حر يواجه السلطان الجائر بقلمه وقلبه ولسانه" ص (107)، دار الاعتصام.

[10] انظر كتاب زهرة البساتين للسيد عفاني (4/140-141).